بعد ثمانية أشهر من غياب الانتقالي..ماذا تغيّر؟
بعد ثمانية أشهر من غياب المجلس الانتقالي عن المشهد الذي كان يسيطر عليه في عدن، يحق للمواطن أن يسأل ببساطة: ماذا تغيّر؟.
لا أقصد هنا من تغيّر في المواقع، ولا من رفع راية مكان راية، ولا من استبدل نفوذه بنفوذ آخر. السؤال الحقيقي يتعلق بحياة الناس وبالدولة ومؤسساتها: هل تغيرت الممارسة؟ هل عادت الدولة لتكون دولة بالفعل؟
هل توقفت الجبايات والأتاوات التي كانت تُفرض على المواطنين والتجار وأصحاب المركبات، وتذهب خارج الخزينة العامة؟ وهل أصبحت كل الإيرادات تورّد إلى الدولة وفق القانون، وتخضع للرقابة والمحاسبة؟
هل توقف البسط على الأراضي والممتلكات العامة والخاصة؟ وهل بدأت الدولة بمراجعة ما تم الاستيلاء عليه بغير حق، وإعادة الحقوق إلى أصحابها؟
هل توقفت الاعتقالات خارج إطار القانون؟ وهل أصبحت النيابة والقضاء هما الجهة التي تقرر توقيف المواطن ومحاكمته، بدلاً من أن يكون الاعتقال قرارًا أمنيًا لا يعرف المواطن إلى أين يقوده؟
وهل أصبح القضاء قادرًا على الفصل في القضايا دون تأخير، بحيث يشعر المواطن أن لديه مؤسسة يلجأ إليها لاستعادة حقه؟
وماذا عن أقسام الشرطة؟ هل أصبحت تعمل بكفاءة؟ هل يستطيع المواطن أن يدخل قسم الشرطة ليقدم بلاغاً أو شكوى، فيجد موظفاً يؤدي واجبه، وإجراءً واضحًا، وقانوناً يُطبق على الجميع دون مماطلة أو وساطة أو خوف؟
هذه ليست أسئلة سياسية موجهة إلى طرف بعينه بقدر ما هي أسئلة مواطن يريد أن يعرف: هل انتقلنا فعلًا من مرحلة سلطة الأمر الواقع إلى مرحلة الدولة؟
ثم هناك سؤال آخر لا يقل أهمية: ماذا فعل الانتقاليون أنفسهم بعد أن فقدوا السيطرة على الأرض؟
هل راجعوا تجربتهم؟ هل ناقشوا أخطاءهم بشجاعة؟ هل قال أحدهم بوضوح: أخطأنا هنا، وأصبنا هناك؟ هل تمت مراجعة تلك السنوات بموضوعية، أم أن الخطاب لا يزال قائماً على تبرير كل شيء وتحميل الآخرين مسؤولية كل شيء؟
السياسة ليست عصمة، والأحزاب والحركات ليست مقدسة. ومن حق أي حركة سياسية أن تخطئ، لكن ليس من حقها أن ترفض الاعتراف بالخطأ. بل إن الاعتراف بالخطأ هو أول شروط التصحيح.
لقد غادر الانتقالي مواقع كثيرة، وتغيّرت موازين القوة على الأرض، لكن إرث الانتقالي لم يغادر بعد. فالمؤسسات التي أضعفت، والثقافة التي كرستها سنوات من تعدد مراكز النفوذ، والممارسات التي أصبحت مألوفة في حياة الناس، لا تختفي بمجرد اختفاء القوة التي كانت تحميها.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
فإذا جاءت سلطة جديدة، ولم تستطع أن تقدم للمواطن دولة أفضل، وقانونًا أكثر عدلًا، وقضاءً أسرع، وشرطة أكثر كفاءة، وإدارة أكثر نزاهة، وإيرادات تدخل خزينة الدولة، وأرضاً مصونة من البسط، فإن المواطن لن يهتم كثيرًا بتغير الأسماء.
بل قد يبدأ، مع مرور الوقت، بالمقارنة بين الأمس واليوم.
وهنا يجب أن نتوقف طويلاً عند العبارة التي نسمعها اليوم كثيراً: «سلام الله على صالح».
قد يكون هذا الكلام ظالماً للتاريخ، وقد يتجاهل كثيراً من أخطاء الماضي، لكنه يكشف شيئاً أخطر: عندما تفشل السلطة الجديدة في تقديم نموذج أفضل، يبدأ الناس في استدعاء الماضي، حتى ذلك الماضي الذي ثاروا عليه.
ولهذا أقول لكل من جاء بعد الانتقالي: لا تجعلوا الناس يقولون يومًا: سلام الله على الانتقالي.
فالبديل الحقيقي للانتقالي ليس خصمًا جديدًا، ولا سلطة جديدة، ولا تغييرًا في الوجوه.
البديل الحقيقي هو الدولة.
دولة لا جبايات فيها خارج القانون، ولا اعتقالات خارج القضاء، ولا بسط على الأراضي، ولا مراكز قوى، ولا سجون خارج سلطة الدولة، ولا مواطن يخاف من صاحب النفوذ أكثر مما يثق بالقانون.
عندها فقط يمكن القول إن مرحلة انتهت وبدأت مرحلة جديدة.
أما إذا تغيرت الأسماء وبقيت الممارسات، فإننا لم نغادر الماضي، وإنما غيّرنا فقط من يجلس على مقعده.