🔸صورة أرشيفية من الجنوب اللبناني🔸

صوت عدن | لبنان:

   في الشرق، لا تموت الأفكار حين يرحل أصحابها. أحيانًا تغيّر أسماءها، ترتدي بزّات عسكرية، تدخل غرف العمليات، وتخرج خرائط.

   فلاديمير زابوتنسكي(*)، أحد أبرز آباء الصهيونية التصحيحية، لم يقدّم قبل قرن تقريبًا مجرّد أطروحة فكرية. وضع هندسة ذهنية كاملة للعلاقة مع العرب. في مقالته الشهيرة عن “الجدار الحديدي”(**)، انطلق من فرضية قاسية في صراحتها: السكان الأصليون لن يقبلوا طوعًا مشروعًا يقتلعهم سياسيًا وتاريخيًا، ولذلك فإن الطريق ليس الإقناع، بل فرض ميزان قوة صلب يجعل المقاومة تبدو عبثية، وعندها فقط يصبح التفاوض ممكنًا، لا بوصفه لقاءً بين إرادتين متكافئتين، إنما كإدارة لشروط المنتصر.

هذه ليست صفحة قديمة في أرشيف الفكر الصهيوني. هذه، إلى حد بعيد، البنية العميقة للعقيدة الأمنية الإسرائيلية حتى اليوم.

حين ننظر إلى الجنوب اللبناني، لا يبدو المشهد منفصلًا عن هذه السلالة الفكرية. ما يجري، أو ما قد يُراد له أن يجري تحت عناوين الترتيبات الأمنية والمفاوضات التقنية، قد يكون في جوهره محاولة حديثة لإعادة إنتاج “الجدار الحديدي”، ولكن هذه المرة بصيغة إسمنتية، إلكترونية، وديموغرافية.

فكيان الاحتلال، تاريخيًا، لم يتعامل مع حدوده الشمالية المصطنعة بوصفها مجرد خط جغرافي مرسوم على الخرائط، إنما باعتبارها امتدادًا لعقيدته القائمة على فرض الوقائع بالقوة، وصناعة الأمن عبر تغيير المجال المحيط وإعادة هندسته بالنار والخرسانة والمراقبة، لا التكيّف معه. منذ عملية الليطاني عام 1978، ثم اجتياح 1982، ثم إنشاء الشريط الحدودي وما تلاه من هندسة أمنية عبر الوكلاء والنقاط العسكرية والقرى المحوّلة إلى تماس يومي مع الاحتلال، ظلّ التصور الإسرائيلي ثابتًا: الأمن لا يُترك للطبيعة السياسية للمكان، بل يُصنع بالقوة.

انسحاب عام 2000 لم يكن، في العقل الإسرائيلي، نهاية هذه الفكرة. كان انهيارًا لصيغة منها.

اليوم، مع كل حديث عن ترتيبات جديدة، يعود السؤال القديم بوجه جديد: هل تبحث إسرائيل عن وقف تهديد، أم عن إعادة هندسة الجنوب نفسه؟

العودة إلى الإعلام العبري تكشف أن الفكرة ليست خيالًا تحليليًا. منذ انفجار الجبهة الشمالية، تكررت في الصحافة الإسرائيلية، وفي نقاشات المعلّقين العسكريين ومراكز التفكير الأمنية، مفردات من نوع “منطقة عازلة”، “إبعاد التهديد”، “خلق واقع أمني جديد”، “عدم العودة إلى ما قبل الحرب”. هذه ليست مجرد لغة انفعالية في لحظة صدام. إنها تعبير عن مزاج استراتيجي يرى أن الاكتفاء بالردع التقليدي لم يعد كافيًا، وأن الحدود يجب أن تُعاد صياغتها وظيفيًا حتى لو بقيت الخرائط الرسمية كما هي.

وهنا تبدأ الصورة الأكثر قتامة.

تخيّلوا عشرات البلدات الجنوبية، تلك التي كانت يومًا تضجّ بأصوات الأطفال وهدير المواسم ودفء العلاقات اليومية، تتحول تدريجيًا إلى فراغ أمني مراقَب. بيوت رُكام واقف. طرق تقطعها الحواجز. شباك حديدية مكهربة تلتف حول محيطات كاملة. رادارات تراقب الهواء والتراب. كاميرات لا تنام. أنظمة إنذار مبكر. دوريات متحركة. كلاب حراسة. نقاط استشعار. مساحة كاملة تُدار لا كنسيج مدني، إنما كجبهة دائمة.

وهنا لا يعود الحديث عن أمن، بل عن إعادة تعريف المكان.

فالمنطقة التي يُمنع أهلها من العودة إليها سريعًا، أو تصبح العودة إليها مرهونة بشروط أمنية خانقة، لا تبقى كما كانت. المكان الذي يُفرَّغ طويلًا يتغير. اقتصاده يذبل. مدرسته تختفي. ذاكرته الاجتماعية تتشقق. ناسه يتوزعون في الداخل. المجتمعات المضيفة تختنق. ومع الوقت، لا يصبح السؤال كيف تُحمى الحدود، بل أي جنوب يجري تصنيعه؟

إسرائيل جرّبت هذا سابقًا بأشكال مختلفة. فكرة “الحزام الأمني” ليست استنباطًا نظريًا. إنها جزء من سجلّ عملي. الجديد المحتمل الآن أن التكنولوجيا تمنح المشروع نسخة أكثر إحكامًا وأقل كلفة بشرية مباشرة بالنسبة إليها: جدار ذكي بدل احتلال كثيف، رقابة مستمرة بدل انتشار بشري واسع، وإدارة مسافة بدل إدارة احتكاك مباشر.

وهذا تحديدًا ما يجعل زابوتنسكي حاضرًا.

فـ”الجدار الحديدي” لم يكن في جوهره جدارًا ماديًا. كان فلسفة سياسية تقول إن عليك أن تبني من القوة ما يسحق أمل خصمك في تغيير الواقع. وإذا كانت إسرائيل قد ترجمت هذه الفكرة عبر الجيوش والحروب لعقود، فلا شيء يمنع ترجمتها اليوم عبر هندسة حدودية تعيد إنتاج المنطق نفسه بلغة القرن الحادي والعشرين.

قد يقول قائل إن هذا تحليل متشائم. لكن التاريخ مع هذا الكيان لا يُقرأ بالنوايا المعلنة وحدها. فكم من إجراء قيل إنه مؤقت ثم طال مقامه. وكم من تدبير أمني تمدد حتى صار بنية سياسية. وكم من خط تماس تحوّل إلى واقع يُراد تثبيته.

المسألة هنا ليست في ما إذا كان المفاوض اللبناني واعيًا أو غير واعٍ لهذه الطبقات العميقة. فالقضية أوسع من الأشخاص. القضية في طبيعة المشروع المقابل، وفي عقيدة لم تُخفِ يومًا إيمانها بأن الوقائع تُفرض أولًا، ثم يُطلب من الآخرين التعامل معها كأمر واقع.

ويبقى السؤال الأثقل:

هل المطلوب أمن حدود… أم أن زابوتنسكي يُبعث فعلًا على تخوم الجنوب اللبناني؟

المصدر: ليبانون ديبايت Lebanon Debate
____________

🔸من هو روني الفا؟

- روني ألفا هو كاتب، وباحث، وإعلامي سياسي لبناني. يتولى إدارة مكتب شبكة "الميادين" في بيروت، ويبرز كمعلق ومحلل سياسي. كما أنه مؤسس شركة "Proper Words" للإعلام والعلاقات العامة وعضو في اللجنة الوطنية للأونيسكو.

- أبرز محطات مسيرته:

الإعلام والصحافة: يمتلك مسيرة في الإعلام المرئي والمكتوب، ويقدم برامج حوارية سياسية، وله العديد من المقالات والتحليلات السياسية المنشورة ضمن مقالات روني ألفا | الميادين.

إدارة مكتب بيروت: تولى رسميًا إدارة مكتب قناة الميادين في العاصمة اللبنانية، مما جعله اسماً مركزياً في التغطيات الإعلامية والسياسية..، وتتناول  تفاصيل انضمامه للشبكة.

يُعرف بمواقفه وتحليلاته التي تغطي مختلف القضايا الإقليمية والشؤون المحلية في لبنان، ويمكن متابعة كتاباته ومسيرته عبر حسابه على Facebook.

__________

هوامش:

(*) من هو فلاديمير زابوتنسكي؟

- فلاديمير زابوتنسكي (المعروف أيضاً باسم "زئيف جابوتنسكي") هو زعيم ومفكر صهيوني متطرف، وُلد في روسيا (أوكرانيا حالياً) عام 1880 وتوفي عام 1940. أسس "الحركة التصحيحية الصهيونية"، ويُعد الأب الروحي والملهم الأيديولوجي لتيار اليمين الإسرائيلي الحديث وحزب الليكود.

- أبرز محطاته وأفكاره:

العقيدة العسكرية ("الجدار الحديدي"): اشتهر بمقالته التي تحمل هذا الاسم، والتي جادل فيها بأن الفلسطينيين لن يقبلوا طوعاً بإقامة دولة يهودية على أرضهم، ولذلك يجب فرض المشروع الصهيوني بقوة عسكرية ساحقة (جدار حديدي) حتى ييأس العرب ويضطروا للتفاوض بشروط المنتصر.

- الصهيونية التصحيحية: أسس هذا التيار الذي انتقد قيادة الصهيونية العمالية آنذاك (مثل بن جوريون)، مطالباً بتوسيع الاستيطان، وإقامة "دولة يهودية" على ضفتي نهر الأردن (فلسطين والأردن).

- الميليشيات المسلحة: أنشأ حركة الشبيبة "بيتار" وساهم في تأسيس منظمة "الإرجون" العسكرية التي نفذت عمليات مسلحة وعنيفة ضد الفلسطينيين والانتداب البريطاني.

- الأدب والصحافة: عمل صحفياً لامعاً وكاتباً، واستخدم كتاباته وقصائده لنشر الفكر القومي اليهودي المتطرف والتعبئة له.

يمكنك الاطلاع على تفاصيل أوسع حول مسيرته وحياته من خلال مدار - جابوتنسكي، زئيف فلاديمير أو مطالعة سيرته عبر موسوعة ويكيبيديا.