عدن: المدينة التي لا تستسلم رغم الأزمات
بعد غياب، زرت مدينتي عدن، حيث لا يقاس الزمن بعقارب الساعة، بل بإيقاع الحياة الرافض للتوقف عند اي لحظة، حتى في اقسى الظروف. مدينة حافظت عبر عقود من التحولات، بأن تبقي قلبها نابضاً؛ فلا تنطفئ الحركة تماماً حتى عندما تغيب الكهرباء، ولا تغيب عنها الحياة حين تضيق سبلها.
الحديث عن عدن لا ينتهي؛ فهي ليست مجرد مدينة في اليمن، بل حالة إنسانية مركبة تتجاور فيها المتناقضات: التعب والأمل، الانكسار والإصرار، الضيق والانفتاح. ومن يتجول في شوارعها نهاراً او ليلاً قد يظن أن الحياة تسير بشكل اعتيادي، لكن خلف هذا الاعتياد تختبئ مدينة تجيد التكيف اكثر مما تجيد الشكوى.
في الاحياء الشعبية، تستمر الحياة بإصرار لافت. محال صغيرة تظل مفتوحة، واحاديث تمتد حتى ساعات متأخرة، وباعة يتمسكون بمواقعهم كأنهم يعيدون تعريف معنى الاستمرار. ليس لأن الظروف مثالية، بل لأن التوقف لم يعد خياراً. فالأزمات—من انقطاع الكهرباء وازمة الغاز الى ضعف الخدمات—لم تعد طارئة، بل جزءاً من تفاصيل اليوم.
غير أن هذا الصمو وحده لا يكفي. فالحديث عن مدينة ترفض الاستسلام يفرض التوقف عند دور السلطة المحلية والحكومة في تحويل هذا التكيف الى استقرار فعلي.
في مدينتي عدن، لم يعد مقبولاً أن تبقى الأزمات “طبيعية”، بل باتت الحاجة ملحة لإدارة اكثر فاعلية تعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة. وهنا تبرز اهمية تحسين الخدمات الاساسية وتعزيز الأمن، بما يجعل الحياة اليومية اكثر استقراراً واقل إرهاقاً.
واختيار عدن عاصمة مؤقتة لا يعفي الحكومة من المسؤولية تجاهها وتجاه بقية المناطق المحررة، فهذه المسؤولية تتجاوز إدارة اللحظة الى بناء نموذج قابل للاستمرار. فعدن تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على استعادة حضورها ومعناها، وإذا ما تلاقت الجهود بين إدارة محلية فاعلة وحكومة حاضرة بمؤسساتها، فإن هذه المدينة قد تتحول من مساحة صمود الى نقطة انطلاق لاستقرار اوسع.
ومع ذلك، فإن المواطن في عدن لم يلمس بعد مستوى من الاستقرار يمكن البناء عليه، سوى بعض التحسن النسبي في الجانب الأمني، وهو ما يبقى غير كاف امام ثقل الازمات المعيشية والخدمية. فالصمود مهما بلغت عظمته، لا يمكن أن يعوض غياب الاستقرار الحقيقي.
ورغم الإرهاق الذي يتراكم على المدينة ويظهر على اوجه ساكنيها، والقلق الذي اصبح جزءاً من المزاج العام، فإن الأمل لا يغيب تماماً، بل يتشكل في تفاصيل صغيرة لدي سكانها الصامدون: يوم اكثر استقراراً، ساعات انقطاع كهرباء اقل، خدمة اكثر انتظاماً، او لحظة هدوء نادرة تمنحهم شعوراً بأن الغد قد يكون مختلفاً.
إنها عدن التي نسكنها وتسكننا؛ مدينة تضج بالحياة رغم كل شيء. قوتها لا تأتي من غياب الأزمات، بل من قدرتها على التعايش معها دون أن تفقد روحها او يتوقف نبضها، لأنها ما زالت تؤمن بأن ما تعيشه ليس قدراً دائماً، وأن الأيام الأجمل لن تأت بعد.