في الفجر، عادت الكهرباء لساعة ونصف فقط بعد انقطاعٍ دام اثنتي عشرة ساعة، كأنها زائرة تزورنا على استحياء ثم ترحل من جديد. صحونا جميعاً مفزوعين، فلا أحد فكر في تشغيل المكيف والنوم أو الراحة؛ صار الجميع يركض نحو شيءٍ ينقذه قبل أن ينطفئ كل شيء مرة أخرى. نشغل "دينمة" الماء بسرعة حتى نملأ الخزانات، بينما تتزاحم الهواتف حول المقابس كأنها تستجدي بعض الحياة، والأطفال يزعجهم ضوء اللمبات ويشعرون بترقبٍ وهلع، كأنهم يشاهدون مسلسل "عدنان ولينا".  
  أما الثلاجات فقد باتت خارج دائرة الاهتمام، صرنا نشتري الثلج مرتين في اليوم لأجل جرعة ماء بارد، ونشتري الخضار (مجموع) والسمك بمقدار يوم واحد فقط، أما اللحوم فقد حلت بيننا وبينها قطيعة قسرية بسبب ارتفاع أسعارها الجنوني. منذ الأمس ونحن نعيش في ظلام متقطع، أكثر من اثنتي عشرة ساعة بلا كهرباء؛ قالوا إن "المنظومة خرجت"، لكن الذي خرج فعلاً هو صبر الناس. الحر في تصاعد خانق، والماء لا يصل إلا إذا اشتغلت الدينمة في احسن الأحوال ، وكل دقيقة كهرباء أصبحت اليوم أغلى من الذهب. صرنا نحسب الوقت على أصوات المولدات، وعلى لحظة رجوع النور القصيرة التي تمنحنا أملًا صغيراً قبل أن تسحبه من جديد. 
  ومع شروق الشمس، نبدأ يوماً جديداً من المعاناة اليومية، ونواجه نفس الوجوه المرهقة، ونردد نفس السؤال: متى تستقر الكهرباء ويصلح حالها؟ لكن لا أحد يملك جواباً، فقط انتظار طويل، وظلام يفرض نفسه على البيوت والقلوب معاً.