منذ عام 1967 وحتى اليوم، عشنا تجارب طويلة مع الحكم الشمولي، حكم الفكر الواحد الذي يرى نفسه ممثلا للشعب وحاكما باسمه وحاميا لمصالحه، ويحتكر الوطنية ويرسم السياسات والاستراتيجيات، بينما يُطلب من الآخرين الخضوع والتسليم. وأصبح كل رأي مخالف أو فكر مختلف أو محاولة للتنوع السياسي تُعامل باعتبارها تهديدا يجب قمعه وإقصاؤه.

لقد عانينا طويلا من هذه العقلية، حتى وصلنا إلى قناعات جديدة مع دخول الحزب الاشتراكي مرحلة الوحدة، حين تبنى التعددية السياسية والديمقراطية والتنوع الفكري، وأصبح الجنوب يحمل مشروعا سياسيا يقوم على الاعتراف بالآخر وحقه في المشاركة.

قد نختلف في تقييم تجربة الوحدة وما رافقها من صراعات وانتكاسات، لكن لا ينبغي أن نتنكر للمبدأ الذي آمنا به ودافعنا عنه: لا وصاية على عقول الناس، ولا احتكار للعمل السياسي، ولا شرعية لفكر يريد إلغاء بقية الأفكار.
فهل تعقلون كما عقل الأولين!

المؤسف اليوم أن نرى من يحاول إعادة إنتاج العقلية الشمولية ذاتها في الجنوب. لماذا يُمنع الناس من الاجتماع؟ ولماذا يُرفض أن يشكلوا مكونات سياسية أو أحزابا أو أطر عمل تعبر عن رؤاهم وقناعاتهم؟ أليس من حق أي مجموعة من المواطنين أن تجتمع وتناقش وتطرح مشروعا سياسيا وتسعى لإقناع الناس به؟

دعوا الناس تقدم مشاريعها، ودعوا الجماهير تختار وتحكم. فالمنافسة السياسية لا تكون بمنع الآخرين، وإنما بالحوار والإقناع والاحتكام إلى إرادة الناس.

لسنا أوصياء على أحد، ولسنا من يقرر نيابة عن الناس من يمثلهم ومن لا يمثلهم. ولا يحق لأي مكون سياسي أن يتعامل مع نفسه باعتباره الدولة والقانون والمجتمع في آن واحد.

وإذا كنا نرفض التعددية ونمنع الاجتماعات ونصادر حق الآخرين في التعبير والتنظيم، فما الفرق بين ما نمارسه اليوم وما عانيناه في سنوات الحكم الشمولي؟

هل نريد العودة إلى زمن «لا صوت يعلو فوق صوت الحزب»، و«حزبك باقي يا فتاح»؟

يا إخوان، لا يمكن أن نبني مستقبلا ديمقراطيا بعقلية شمولية، ولا يمكن أن نطالب بحقنا في تقرير مستقبلنا بينما ننكر على الآخرين حقهم في الاختلاف والتعبير عن قناعاتهم.

التعددية ليست منّة من أحد، وحرية التنظيم والاجتماع والتعبير حقوق لا يجوز مصادرتها.

من يؤمن بالديمقراطية عليه أن يقبل بنتائجها، ومن يؤمن بالتعددية عليه أن يحترم حق الآخرين في الوجود السياسي، حتى وإن اختلف معهم.

الجنوب الذي نريده هو جنوب يتسع للجميع، لا جنوب يحتكره فكر واحد أو مكون واحد أو صوت واحد.