اليمن...السلام المنشود وتُجَّار المقابر
صارتْ المملكة العربية السعودية أكثر ميلًا ورغبةً للسلام في المنطقة، وفي اليمن بالذات. وما الزيارة التي يقوم بها الأمير خالد بن سلمان إلى طهران إلّا أحد المؤشرات والرسائل الدالة على نيتها بذلك، فقد أنهكتها الحرب وهدّت حليها التحديات، وضاقت ذرعا بالوضع القائم … الثمن المرجو من الانحناءات التي تقوم بها الرياض بعدة عواصم هو ان تكون مغلاقاً للحرب مفتاحاً للسلام.
...فالحرب باليمن التي صارت دون اي أفق أو طائل، بل وصارت المملكة بسببها محل ابتزاز من قوى يفترض أنها حليفتها باليمن، كما ان الحرب الامريكية الاسرائيلية في إيران عمقت الهواجس والقلق لديها .. فالمملكة واقعة بين حجرتَي رُحى: خطر صواريخ إيران ،وخذلان ووقاحة أمريكا ودسائس اسرائيل.!
سيرتكب الحوثيون خطأً كبيرا إن لم يلتقطوا الفرصة القادمة لهم من الرياض وينفتحوا على النوايا والمبادرات التي تأتيهم تباعا هذه الايام، وإن اعتقدوا أن السعودية من الضعف إلى درجة أن تتنازل لهم عن كل ما يشترطون أو اعتقدوا ان بوسعهم ان يحققوا بالحرب كل غاياتهم.
السعودية منذ عدة أعوام ولمصلحة سعودية أدركت ان السلام باليمن يجب ان يسود ..فالاستقرار بالمنطقة وبالداخل السعودي ضرورة سعودية لتمكين المملكة من إنجاز مشاريعها الاقتصادية والثقافية الطموحة، والإصلاحات الجريئة التي تقوم بها.
وبرغم ما يبدو من تمنع من جهة الحوثيين ومعهم قوى بالشرعية نعتقد جازمين ان هؤلاء جميعا يعلمون حقيقة ان الحسم العسكري صار غير ممكن، وأن كل طرف بات فقط يكابر بقبول السلام او الدعوة إليه لئلا يبدو الاضعف. فلا الحوثيين استطاعوا ترويض كل المناطق شمالا، ولا الشرعية قادرة على الحفاظ على المناطق التي كانت تسيطر عليها. الحوثيون عاجزون على احضاع تعز وهي تقاوم منفردة، فأنّى لهم السيطرة على باقي المحافظات؟ وكيف سيتأتى لهم ذلك بالجنوب إن فكروا بالزحف عليه وهم عالقون في تباب تعز؟ …والشرعية التي تعتمد الى حد كبير على البندقية الجنوبية كيف لها ان تبلغ صنعاء وهي تفقد معاقلها تباعا في تعز، وتغط في نوم عميق بباقي الجبهات، في مأرب والجوف والبيضاء؟.
وبالتالي لم يبق أمام الجميع سوى الاعتراف بحقيقة أن طاولة التسوية هل الحل ،بعد قرابة أحد عشرة عاما من الدماء والدمار، وبحقيقة أن تجار الحروب هم من يقف بوجه السلام ويشعل جذوة الحرب كلما أوشكت على الإنطفاء….تجار الحروب من الطرفين في مأرب وتعز وعدن وصنعاء : تجار تهريب البضائع والأدوية، وعصابات الجبايات، وتجار السلاح والوقود، وسماسرة الأراضي ولصوص الأموال و الصرافات و المضاربين بالعملات وطفيليات الوظائف، وفسدة كشوفات المرتبات الدسمة بالعملات الأجنبية والمحلية بالداخل والخارج، وغيرهم وغيرهم من تجار المال ،وتجار الموت والمقابر الذين يخشون غلق صنابير المال ومسارب الجاه.