منذ بداية هذه الحرب ونحن نعيش على أخبار متناقضة وتسريبات متضاربة، وكل طرف يعلن أنه انتصر وأن خصمه ينهار. لكن السياسة لا تقاس بما تقوله البيانات، بل بما تكشفه حركة الأحداث على الأرض.
وحين يضطر الحوثي إلى نقل ضرباته باتجاه السعودية، فهذا يكشف، على الأقل، أن هناك ضغطا عسكريا حقيقيا عليه في الداخل، وأن الجبهات ليست بالسهولة التي يحاول تصويرها.
لكن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
الشرعية تقول إنها تواجه مشروعا إيرانيا، والحوثي يقول إنه يواجه مشروعا سعوديا. وكل طرف يصف خصمه بأنه أداة للخارج، بينما يبدو أن كليهما يتحرك في مساحة إقليمية أوسع من القرار اليمني.
فهل هذه حرب يمنية؟ أم حرب أدوات تتقاتل على أرض اليمن؟
نحن لا نريد أن نستبدل وصاية إيرانية بوصاية سعودية، ولا سلطة جماعة مسلحة بسلطة قوى تقليدية، ولا أن نخرج من انقلاب لنجد أنفسنا أمام نسخة جديدة من الاستبداد.
نحن نريد شيئا أبسط وأصعب في الوقت نفسه: أن تنتصر اليمن.
اليمنيون لم يجلسوا في مؤتمر الحوار الوطني لكي يتبادلوا المجاملات. جلسوا بكل مكوناتهم، وكان الحوثيون بينهم، وناقشوا شكل الدولة ومستقبلها، وتوصلوا إلى مشروع الدولة الاتحادية باعتباره محاولة للخروج من دولة المركز التي أنتجت عقودا من الصراع.
وإذا كان الحوثيون يرون أن مشروع الأقاليم غير عادل، فكان بإمكانهم أن يقولوا ذلك على طاولة الحوار. وإذا كان لديهم اعتراض على توزيع الثروة أو السلطة، فالحوار كان مفتوحا لتعديل كل ما يمكن تعديله.
لكن الانقلاب لم يكن تعديلا للمشروع الوطني، بل كان انقلابا على فكرة الشراكة نفسها.
والمفارقة الأكثر إيلاما أن من رفع شعار إسقاط النظام انتهى إلى إنقاذ الكثير من أدوات النظام القديم، مع تغيير بعض الوجوه والأسماء.
وهنا يجب أن نكون صريحين:
لا يمكن بناء دولة اتحادية بعقلية انقلابية، ولا بناء دولة مدنية بمنطق الجماعة، ولا تحقيق المواطنة المتساوية تحت سلطة السلاح.
ومع ذلك، لا نريد يمنّاً ينتقم من الحوثيين، كما لا نريد يمنّاً يستسلم لهم.
نريد يمنّاً يستوعب الجميع، ولكن تحت سقف الدولة.
فالحرية حق للجميع، والمواطنة حق للجميع، والمشاركة السياسية حق للجميع، أما احتكار الدولة وفرض المعتقد والرأي بالقوة فليس حقاً لأحد.
لذلك، حتى عندما نحسم المعركة عسكريا، يجب ألا نكرر الخطأ نفسه ونبدأ معركة جديدة باسم المنتصر.
الحسم الحقيقي ليس أن يرفع طرف رايته فوق أنقاض الطرف الآخر؛ الحسم الحقيقي أن تسقط فكرة حكم اليمن بالقوة.
وعندها فقط يجلس اليمنيون، بلا وصي ولا حامل مشروع خارجي، ويتفقون على دولة تجمعهم جميعا.
نحن لا نبحث عن منتصر جديد يحكم اليمن... نبحث عن يمن لا يحتاج فيه أحد إلى السلاح كي يحكم اليمنيين.