دُق الجرس في مدينة عدن والمحافظات المحررة. عاد الطلاب إلى المدارس مع بدء العام الدراسي 2026–2027م. 
في أي بلد آخر هذا خبر روتيني. أما في اليمن فهو بيان سياسي بحد ذاته. بيان يقول إن الدولة لا تزال قادرة على فتح فصل، حتى وإن عجزت عن فتح طريق. 
تابع دولة رئيس الوزراء الدكتور شائع الزنداني التدشين من العاصمة المؤقتة عدن، وتحدث عن "مسؤولية مشتركة" وعن "محطة وطنية". 
كما عالجت اللجنة العليا للاختبارات أخطاء إعلان نتائج الثانوية، فأنصفت طالبة من المهرة وكرمت طالباً مكفوفاً من لحج. نوايا حسنة بلا شك، وإشارات على أن مؤسسات الدولة تحاول أن تلملم شتاتها.

لكن بين بيان الحكومة وبين واقع الفصل الدراسي مسافة تقاس بالجوع. فالحق في التعليم لم يعد يُقاس بتوفر المقعد والطباشير، بل بقدرة الأسرة على دفع ثمنه. 
الكتاب الذي صار سلعة، والزي الذي صار عبئاً، والمواصلات التي تأكل نصف الراتب، والوجبة التي صارت حلماً. 
الأسرة اليمنية اليوم لا تسأل عن جودة التعليم بقدر ما تسأل: هل نُطعم أبناءنا أم نُعلمهم؟ وعندما يتحول التعليم من حق إلى مفاضلة بين الجوع والجهل، فمعنى ذلك أننا لا نبني جيلاً، بل ننتج فجوة ستمتد لعقود.

وفي منتصف هذه الفجوة يقف المعلم. وحده. 
هو الذي سمته الحكومة "ركيزة أساسية" وأسماه الواقع "جندياً مجهولاً". يأتي إلى المدرسة براتب لا يكفي أسبوعاً، وبكرامة مثقوبة، وبقلب يريد أن يعلّم وعقل يفكر في فاتورة الكهرباء.
يدخل المعلم الفصل بلا وسائل، ويشرح بلا حافز، ويصحح بلا أمل. صموده ليس خياراً، هو اضطرار. هو ذلك الصمت الطويل الذي اختاره كي لا يموت الوطن كله. لكن إلى متى؟ 

صمود المعلم بطولة، ولكن البطولة لا تُصرف في السوق. البطولة لا تشتري دواء، ولا تسدد إيجاراً، ولا تمنع المعلم من أن يتحول إلى سائق "تاكسي" بعد الظهر أو بائع في البسطة. 
وعندما نجعل من الفقر شرطاً لممارسة المهنة، فإننا لا نكرم المعلم بل نعاقبه. وعندما نحتفي بتكريم المتفوقين ولا نكرم من صنع تفوقهم، فإننا نمارس نوعاً من النفاق المؤسسي.

السؤال ليس: هل يصمد المعلم؟ السؤال هو: لماذا يُترك وحده ليصمد؟ 
أي مشروع تعليمي يبدأ من السقف وينتهي عند الجدار سيتهاوى. وأي إصلاح للاختبارات أو للمناهج أو للنتائج يظل تجميلاً لوجه مريض ما لم يبدأ من جيب المعلم.
التكريم الحقيقي ليس درعاً ولا شهادة تقدير. التكريم الحقيقي راتب يصل في موعده ويكفيه. التكريم الحقيقي هو علاوة وتسوية واعتراف مهني. التكريم الحقيقي هو أن يشعر المعلم أنه موظف دولة لا متسول مساعدات.

وتزداد المأساة تعقيداً في المحافظات الجنوبية حيث تتحول المدرسة إلى ساحة اشتباك إداري. قرارات موازية، وتوجيهات متضاربة، وإدارات تتنازع الشرعية.
المعلم هنا لا يصارع الفقر فقط، بل يصارع الضياع. لا يعرف لمن الولاء، ولا أي منهج سيُدرّس، ولا متى ستُغلق المدرسة بقرار سياسي. في هذا المناخ لا يمكن الحديث عن استقرار تعليمي، لأن الاستقرار يبدأ أولاً باستقرار القرار.

إن تدشين العام الدراسي إعلان شجاع بأن الحرب لم تنتصر على العقل. لكن الشجاعة تحتاج إلى ترجمة. وترجمتها ليست في الخطابات، بل في ثلاث كلمات: المعلم، الكتاب، الاستقرار. وزعوا الحقيبة المدرسية مجاناً، ووحدوا القرار التربوي بعيداً عن التجاذبات السياسية، وامنحوا المعلم ما يستحقه قبل أن تطالبوه بما لا يملكه.

اليمن لن تبنى بالأسمنت. ستبنى بمعلم شبعان ومطمئن. لأن تدمير الجسور يمكن إصلاحه، وتدمير المصانع يمكن تعويضه، أما تدمير المعلم فهو تدمير للذاكرة الجمعية للأمة. 

تدشين رئيس الوزراء الزنداني، كان البداية. والاختبار الحقيقي الآن هو أن يصل هذا التدشين إلى جيب المعلم قبل أن يصل إلى السبورة. وإلا سيبقى الجرس يدق، وسنصفق لصمود المعلم، بينما الفصل يفرغ عاماً بعد عام.

للتأمل: 
في نهاية كل عام دراسي نسأل عن نسب النجاح والرسوب. لكننا ننسى أن نسأل سؤالاً أخطر: كم معلماً خسرناه هذا العام؟ كم معلماً باع كتبه وذهب يبحث عن رزق آخر؟
الحرب قد تكسر حجراً، لكنها لا تكسر أمة إلا إذا كسرت معلمها أولاً. 
فقبل أن نحاسب الطالب على تقصيره، فلنحاسب أنفسنا: هل دفعنا ثمن الطباشير التي نطلب منه أن يكتب بها المستقبل؟