الفلول لا تصنع حلول
▪️ عشنا وعاصرنا أحداثاً كثيرة منذ ثورة السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962م وحتى اليوم، وشهدنا تحولات سياسية متعاقبة، وانعطافات مصيرية، وصراعات تركت آثارها العميقة على اليمن واليمنيين. ومن خلال هذه التجارب، أصبح واضحاً أن كل مرحلة سياسية تطرح سؤالاً جوهرياً: هل يمكن لمن كان جزءاً من تأجيج الأزمات أن يكون جزءاً من الحل؟
هذا السؤال يفرض نفسه اليوم بقوة، مع محاولات بعض الفلول والشخصيات المرتبطة بالمجلس الانتقالي المنحل، العودةَ إلى المشهد السياسي تحت شعارات جديدة ووعود براقة، تُسوّق لفكرة استعادة ماضٍ أثبتت الأحداث أنه لن يعود. فالتاريخ لا يعيد نفسه، والشعوب التي دفعت ثمن الصراعات المناطقية لا تتطلع اليوم إلى إعادة إنتاج أسبابها، بل تبحث عن مستقبل أكثر استقراراً وعدالة.
لقد أثبتت التجارب أن الأزمات لا تُعالج بإعادة تنصيب الوجوه التي كانت جزءاً منها، وإنما بإفساح المجال أمام قيادات متنورة تمتلك رؤية وطنية، وتؤمن بالشراكة، وتضع مصلحة الوطن فوق المصالح الشخصية والفئوية الضيقة. فاليمن اليوم بحاجة إلى مشروع جامع يعالج جذور الأزمات، ويعيد بناء مؤسسات الدولة، ويستعيد ثقة المواطن، لا إلى العودة إلى معارك الماضي أو استحضار رموزه.
إن استعادة الماضي ليست برنامجاً سياسياً، بل هروب من استحقاقات الحاضر. أما بناء المستقبل، فيتطلب الاعتراف بالأخطاء، والاستفادة من دروس التاريخ، والعمل بإخلاص من أجل وطن يتسع لجميع أبنائه.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الأوطان لا تُبنى بالشعارات، ولا تُدار بالعواطف، بل بالإرادة الصادقة، والكفاءات العلمية، واحترام إرادة الشعب. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي يجب أن يكون على صناعة الحلول، لا على إعادة إنتاج الأزمات.
ولهذا تبقى الحقيقة واضحة: الفلول لا تصنع الحلول، بل إن الحلول يصنعها من يتعلم من أخطاء الماضي، ويؤمن بأن مستقبل اليمن أهم من استعادة نفوذٍ انتهى زمانه.