منذ انطلاق الحراك السلمي الجنوبي في صيف 2007، بدا المشهد وكأنه في حالة حراك دائم، لكن ليس بالضرورة في الاتجاه الصحيح. فبدل أن تتطور التجربة السياسية نحو بناء مؤسسات راسخة، أخذت تتكاثر فيها"المكونات" بوتيرة لافتة، تتغير أسماؤها وتتشكل تحالفاتها، بينما تبقى الوجوه ذاتها في الواجهة، وكأن الغاية لم تعد خدمة القضية، بل الحفاظ على المواقع.

المفارقة أن أول رافعة حقيقية للحراك، ممثلة في المجلس الأعلى لجمعيات المتقاعدين العسكريين والأمنيين، حاولت في وقت مبكر ترسيخ مبدأ مهم: تدوير المناصب. غير أن هذا المبدأ، رغم النص عليه في النظام الداخلي، وُوجه برفض عملي من بعض القيادات، لتبدأ بعدها سلسلة الانشقاقات والتكوينات الجديدة، في مشهد أصبح مألوفًا حتى اليوم.

هذا “التناسل التنظيمي” لم يكن تعبيرًا عن حيوية سياسية أو تعددية صحية، بل في كثير من الأحيان كان انعكاسًا لصراع على النفوذ. كلما ضاقت المساحة داخل إطار قائم، وُلد مكون جديد، يحمل خطابًا مشابهًا، لكنه يدور في فلك الأشخاص أنفسهم، ويعيد إنتاج نفس البنية، ونفس الإشكالات.

اليوم، ومع بروز كيانات تعلن عن نفسها بعد أن كانت جزءًا من أطر أكبر، يتكرر السؤال: هل نحن أمام اختلاف في الرؤى، أم مجرد إعادة تموضع بحثًا عن دور ومكان؟ الواقع يشير إلى أن كثيرًا من هذه المكونات لا تعكس مشروعًا سياسيًا متمايزًا بقدر ما تعكس رغبة في الاستقلال القيادي، حتى وإن كان الثمن مزيدًا من التشظي.

المشكلة هنا ليست في التعددية بحد ذاتها، فهي شرط أساسي لأي حياة سياسية سليمة، بل في غياب قواعدها: مؤسسات حقيقية، لوائح محترمة، انتخابات داخلية شفافة، وقبول فعلي بمبدأ التداول السلمي للقيادة. بدون ذلك، تتحول التعددية إلى مجرد لافتة، وتصبح المكونات أدوات لخدمة أصحابها لا القضية.

والأخطر من ذلك، أن هذا النمط يكرس نوعًا من"الصنمية السياسية"، حيث تتكرر القيادات نفسها في كل تشكيل جديد، وكأن التغيير يقتصر على الاسم لا المضمون. ومع مرور الوقت، يفقد الشارع ثقته في هذه الكيانات، ويتحول الحراك من مشروع وطني جامع إلى فسيفساء من الكيانات المتنافسة.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل استطاع أي مكون جنوبي أن يقدم نموذجًا حقيقيًا للتعددية والتداول السلمي؟ الإجابة، حتى الآن، تبدو مخيبة. فكل المحاولات التي اقتربت من هذا النموذج، بقيت جزئية ومؤقتة، ولم ترتقِ إلى مستوى تجربة مؤسسية مستقرة يمكن البناء عليها.

إن القضية الجنوبية، بما تحمله من ثقل تاريخي وسياسي، أكبر من أن تُختزل في صراعات داخلية أو تنافس على المواقع. وهي بحاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى مراجعة جادة تعيد الاعتبار لفكرة العمل المؤسسي، وتفصل بين"القضية" و”أصحابها".

فالتحدي الحقيقي لم يعد في تعدد المكونات، بل في قدرتها على أن تكون تعبيرًا عن مشروع، لا مجرد إطار يعيد تدوير الأشخاص.