حين احتفلنا بأكتوبر بالهوية العدنية.. اعتُقلنا بتهمة الاحتفال بالثورة!
في مثل هذا اليوم، قبل عام، خرجنا، نحن مجموعة من أبناء عدن، باسم التنسيقية العدنية، للاحتفال بالذكرى الثانية والستين لثورة الرابع عشر من أكتوبر، انطلاقا من قناعتنا بأن لهذه المدينة دورا تاريخيا أصيلا في انطلاق الثورة واحتضان نضالها الوطني.
لم يكن خروجنا مجرد احتفال بذكرى وطنية، بل كان محاولة لاستعادة الذاكرة التاريخية لعدن، والإنصاف لدورها في مقاومة الاستعمار البريطاني، وتسليط الضوء على المحطات التي أسهمت في تهيئة الظروف لانطلاق الكفاح المسلح، بدءا من عملية قنبلة مطار عدن التي نفذها الفدائي خليفة عبد الله خليفة في العاشر من ديسمبر 1963، مرورا بدور الحركة العمالية والاحتجاجات الجماهيرية التي شهدتها المدينة، وصولا إلى إسهامات الحركة الوطنية والجمعيات السياسية والمنتديات الثقافية، وفي مقدمتها الجمعية العدنية.
تحدثنا عن عدن التي كانت حاضنة للتنوع السياسي والفكري والاجتماعي، وعن عمالها الذين أسهموا في صناعة الوعي الوطني، وعن أبنائها الذين جعلوا من مقاومة الاستعمار قضية تتجاوز الانتماءات الضيقة إلى أفق التحرر الوطني.
لكن هذا الاحتفال لم يرق للسلطة القائمة آنذاك، فكان الرد هو اعتقالنا، أنا والشيخ هاني اليزيدي، واقتيادنا إلى إدارة البحث الجنائي.
وما زلت أتذكر، بكل مرارة، التحقيق الذي واجهنا فيه سؤالا بدا غريبا في دولة ترفع شعارات الثورة: لماذا تحتفلون بثورة الرابع عشر من أكتوبر؟
ومن المفارقات أن من بين ما وُجه إلينا من اتهامات رفع علم الجمهورية اليمنية، مع أننا كنا نحمل علم الجنوب، الذي نعده جزءا من الذاكرة الوطنية اليمنية، كما كان علم الجمهورية اليمنية الديمقراطية الشعبية رمزا لدولة قامت في الجنوب قبل الوحدة.
فهل أصبح الاحتفاء بثورة أكتوبر تهمة، واستحضار تاريخ عدن جريمة؟
لم يقف المجتمع العدني مكتوف الأيدي أمام تلك الممارسات. فقد شهدنا موجة واسعة من التضامن والتنديد، شاركت فيها قوى سياسية ونشطاء ومكونات اجتماعية وشخصيات عامة، بل وأصوات من داخل أوساط السلطة نفسها.
وكان لهذا التضامن أثره في الإفراج عنا، بعدما اتسعت دائرة الرفض لتلك الممارسات، وأدركت سلطة الأمر الواقع أن إرادة المجتمع الحي لا يمكن إخضاعها بسهولة.
وبعد الإفراج عنا، التقينا عددا من الشخصيات والقيادات السياسية والثقافية، بمن فيهم قيادات في المجلس الانتقالي الجنوبي، عبّروا عن رفضهم للاعتقال، ووصف بعضهم ما حدث بأنه من تصرفات العسكر التي لا تخدم القضية الجنوبية ولا تليق بتاريخها.
كما التقينا المدعي العام، الذي أكد لنا أنه لا يرى مبررا لاعتقالنا، حتى لو افترضنا أننا رفعنا علم الجمهورية اليمنية، باعتباره علم الدولة التي يجري الاحتكام إليها.
كانت تلك المواقف رسالة واضحة بأن الاختلاف في الرأي، أو في الرموز التي يرفعها المواطن، لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة للاعتقال والإقصاء، وأن القضايا الوطنية أكبر من أن يحتكرها طرف أو جماعة.
لقد خرجنا من تلك التجربة أكثر إيمانا بأن عدن لا يمكن أن تُبنى بالخوف، ولا أن تُصان قضيتها بصناعة الخصومات، ولا أن يُكتب تاريخها وفق مزاج السلطة أو حسابات النفوذ.
واليوم، ونحن نستعيد هذه الذكرى، أجدني أتوقف عند أخي وصديقي الشيخ هاني اليزيدي، الذي أصبح مديرا عاما لمديرية المنصورة، وأتمنى أن تكون هذه المرحلة فرصة لترسيخ نهج مختلف في إدارة الشأن العام؛ نهج يحترم المواطن، ويصون كرامته، ويتقبل الاختلاف، ويضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الشخصية والسياسية.
إن الجنوب الذي ننشده لا يحتاج إلى مزيد من الخصومات، ولا إلى البحث المستمر عن الأعداء، ولا إلى ممارسات تسيء إلى سمعته وقضيته. إنه يحتاج إلى دولة تحترم الحقوق والحريات، وتؤمن بالتعدد، وتحتكم إلى القانون، وتستوعب أبناءها بمختلف آرائهم وانتماءاتهم.
أكتوبر لم تكن ثورة لإسقاط مستعمر خارجي فحسب، بل كانت، في جوهرها، ثورة من أجل حرية الإنسان وكرامته وحقه في المشاركة وصناعة المستقبل.
ومن هنا، فإن الوفاء لأكتوبر لا يكون برفع الشعارات وحدها، بل بالالتزام بقيمها وأهدافها، وبناء وطن لا يُعتقل فيه مواطن لأنه احتفل بثورته، ولا يُتهم فيه إنسان بسبب رأيه، ولا تتحول فيه الوطنية إلى امتياز تحتكره جماعة أو سلطة.
ستظل عدن مدينة الحرية والتنوع، وستبقى ذاكرتها الوطنية أوسع من محاولات الاحتكار والإقصاء.