تشهد الساحة اليمنية تحركات سياسية وعسكرية متسارعة تشير إلى تشكُّل ملامح مرحلة جديدة من إدارة الصراع، حيث تتداخل الضغوط الإقليمية والدولية مع رغبة جادة في وضع أطر واقعية تُنهي حالة الوضع السياسي والانقسام العسكري. وفي ظل هذه التحولات، تبدو قراءة المتغيرات الميدانية الأخيرة ضرورة لمعرفة اتجاهات بوصلة الحل الشامل.
  ما شهدته حضرموت مؤخراً لم يكن، في تقديري، حدثاً عابراً أو تفصيلاً محلياً منفصلاً عن المشهد اليمني العام، بل يمكن قراءته باعتباره نموذجاً أولياً لاتجاه محتمل نحو إعادة ترتيب الخريطة العسكرية والأمنية في البلاد؛ جرى خلاله الحد من بعض مظاهر النفوذ الموازي، وإعادة تنظيم عدد من التشكيلات المرتبطة بالمجلس الانتقالي، في سياق قد يقود، بصورة تدريجية وتوافقية، إلى إدماجها ضمن مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية.
  واليوم، تبدو الأنظار متجهة إلى الساحل الغربي، حيث تبرز احتمالات لإعادة ترتيب وضع القوات التابعة لطارق عفاش بعد انسحابها من الجبهة ، وربما إدماجها تدريجياً في هيكل الدولة العسكري.
   وقد يمتد هذا المسار، في حال نجاحه، إلى بقية التشكيلات المسلحة، ولكن وفق ترتيبات مختلفة تراعي خصوصية كل قوة . فقوات العمالقة، على سبيل المثال، قد تكون أمام مرحلة من إعادة الهيكلة واستيعاب طاقتها العسكرية ضمن مؤسسات الدولة، بما يحافظ على تماسكها . أما قوات درع الوطن، فقد يأتي دورها في إطار عملية إعادة تنظيم أوسع، بحيث تنتقل تدريجياً من صيغة التشكيل العسكري المرتبط بظروف المرحلة إلى مؤسسة أكثر اندماجاً في منظومة وزارة الدفاع.
  وبهذه الطريقة، يمكن أن تسعى التسوية إلى طي صفحة التشكيلات العسكرية الموازية، ليس بالضرورة عبر قرارات مفاجئة أو إجراءات صدامية، وإنما من خلال مسار تدريجي يقوم على التفاهم .
  لكن العقدة الأكبر ستظل متمثلة في حركة أنصار الله (الحوثيين)، لأن التعامل معها لا يرتبط فقط بحسابات الداخل اليمني، وإنما يتداخل بصورة واضحة مع الحسابات الإقليمية والدولية. 
  ومع تغير موازين القوى، وتراجع قدرة أي طرف على تحقيق نصر عسكري ، قد تتزايد القناعة بأن التسوية السياسية، مهما كانت صعبة ومؤلمة، تظل أقل كلفة من استمرار الحرب. وعندها قد يصبح الحوار والتفاهم، بدعم إقليمي ودولي، الطريق الأكثر واقعية للخروج من الصراع.
  غير أن أي تسوية من هذا النوع لن تكون سهلة، فهي تحمل معها ثلاثة مستويات من المخاوف:
أولاً: مخاوف القوى المتضررة
فالأحزاب والتجمعات الراديكالية والمناطقية، إلى جانب المستفيدين من تجارة الحرب، قد لا تنظر جميعها بعين الرضا إلى إعادة ترتيب موازين القوى، وقد تحاول عرقلة المسار إذا شعرت أن مصالحها أو نفوذها مهددان.
ثانياً: مخاوف المواطن البسيط
وهو الطرف الذي دفع، طوال سنوات الحرب، الثمن الأكبر. ومن حقه أن يخشى أن تؤدي أي عملية لإعادة تشكيل الخريطة العسكرية والسياسية إلى هزات أمنية أو اقتصادية جديدة.
ثالثاً: تقلبات الواقع اليمني
فاليمن ليس ساحة تتحرك فيها القوى وفق سيناريو واحد. هناك مفاجآت ميدانية قد تحدث، وتداخلات إقليمية، وتباين في مصالح الأطراف، وقد يؤدي أي تغير في هذه المعادلات إلى تعديل مسار التسوية أو تأجيل بعض مراحلها.
  ولهذا، فإن نجاح أي سيناريو للتسوية لن يقاس فقط بقدرته على إعادة توزيع السلاح أو دمج التشكيلات العسكرية، وإنما بقدرته على إنتاج دولة يشعر الجميع بأنها تتسع لهم، ومؤسسات أمنية وعسكرية تحظى بالثقة، وضمانات سياسية تمنع عودة الصراع بأشكال جديدة.
  ويبقى السؤال الأهم أمام الرعاة الإقليميين والدوليين: هل توجد بالفعل خريطة أمان واضحة تحمي اليمنيين خلال مرحلة الانتقال وإعادة ترتيب القوى، وتضمن ألا يتحول تفكيك التشكيلات إلى فراغ أمني أو صراع جديد؟
  فالتسوية الحقيقية لا ينبغي أن تكون مجرد تسليم للمفاتيح من يد إلى أخرى، بل انتقالاً منظماً من منطق القوة إلى منطق الدولة.