صوت عدن | المهرة:

كتبت/ لميس الاصبحي:

   كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجراً، أول من أمس، والظلام يخيم على دروب مديرية شحن الوعرة حين كانت شاحنة "دينة" تتمايل بصعوبة فوق التضاريس الصخرية تحمل على متنها 58 روحاً إثيوبية غادروا بلادهم هرباً من الفقر والحرب بحثاً عن بصيص أمل في الجانب الآخر من الحدود.

 

   تخيلهم هناك.. متداخلين فوق بعضهم يلفهم برد الصحراء القارس وترتعش قلوبهم بين الخوف من الموت في الطريق والخوف من العودة إلى الوراء..
 كل واحد منهم يحمل قصة معاناة وآخر رسالة لأهله لم تُرسل بعد.

   وفجأة.. فقد السائق السيطرة على المقود في منعطف جبلي غادر تمايلت الشاحنة للحظات كأنها تتردد ثم انقلبت على جانبها في مشهد تحولت فيه أحلام العبور إلى كوابيس وامتزج صراخ المصابين بأنين الصامتين.

   في دقائق تحولت الطريق الوعرة إلى ساحة مأساة.. أربعة منهم لم يستيقظوا على ضوء الفجر وستة وعشرون آخرون ينزفون بين الصخور بينهم سبعة في لحظاتهم الأخيرة وأجسادهم ترتجف بين يدي منقذين هرعوا إلى المكان مع أول شعاع ضوء.

   هؤلاء الضحايا ليسوا مجرد أرقام في نشرات الأخبار.. هم آباء، وأمهات وشباب تركوا خلفهم دموع الوداع ركبوا المركبة المكدسة ظناً منهم أن الألم سينتهي عند الوصول.. لكن القدر كان لهم بالمرصاد على يد شبكات تهريب البشر التي جعلت من أجسادهم بضاعة رخيصة.

   والأكثر إيلاماً أن ما حدث في المهرة ليس استثناءً. فوفقاً لتقارير المنظمة الدولية للهجرة فإن أكثر من 83 ألف مهاجر أفريقي دخلوا اليمن منذ مطلع العام الحالي معظمهم من إثيوبيا يعبرون نفس الطرق يواجهون نفس المصير المجهول.. وفي ديسمبر الماضي وحده وصل 22 ألفاً كلهم يحملون ذات الحلم ويتعرضون لذات الاستغلال.

   إنها أزمة إنسانية تتجدد كل يوم وشبكات التهريب تواصل حصد الأرواح تحت غطاء الظلام مستغلة معاناة الضعفاء بينما تظل الأسئلة معلقة بلا إجابة:

   كم قتيلاً آخرا يجب أن يسقط في هذه الصحاري حتى تتحرك الضمائر؟ وكم أسرة أخرى يجب أن تفقد عائلها حتى تتوقف هذه المآسي؟