صوت عدن 
 الجزيرة - راضي صبيح:


 تسارعت وتيرة الأحداث في محافظة شبوة جنوب شرقي اليمن خلال الساعات الماضية، إذ تطورت إلى مواجهات بين مسلحين والقوات الحكومية أسفرت عن قتلى وجرحى، الأمر الذي أثار تساؤلات عن تداعياتها وتوقيتها.

في هذا التقرير، توضح الجزيرة نقاطا عدة من بينها أهمية هذه المحافظة، ولماذا تفجرت فيها الأحداث، وسيناريوهات الأوضاع فيها.

ما البداية؟

مطلع الأسبوع الجاري، دعت قيادات في المجلس الانتقالي الجنوبي في شبوة أنصارها إلى الاحتشاد اليوم الأربعاء في مدينة عتق عاصمة المحافظة "تأكيدا على التمسك بخيار انفصال جنوب البلاد عن شمالها، ودعما لرئيس المجلس عيدروس الزبيدي" الذي أعلن التحالف العربي بقيادة السعودية في 7 من يناير/كانون الثاني الماضي هروبه من عدن إلى إقليم أرض الصومال وصولا إلى الإمارات.

وفي حين استمر الانتقالي في حض مؤيديه على المشاركة في المظاهرة، أصدرت السلطات في المحافظة مساء أمس الثلاثاء بيانا شدد على أن "أي فعالية أو نشاط غير مرخص، أو لم يتم تنفيذه ضمن الأطر القانونية وبدون التنسيق المسبق مع الجهات المختصة، لن يتم السماح به بأي حال من الأحوال"، محذرة من "أي محاولة لتكدير السلم الاجتماعي أو زعزعة الأمن والاستقرار".

ماذا حدث بعد ذلك؟

عقب بيان السلطات، شرعت القوات الحكومية فورا في تنفيذ انتشار أمني في مدينة عتق والساحة المخصصة للمظاهرة، حيث اتهمها المجلس الانتقالي باقتحام ساحة الاحتشاد الجماهيري وتكسير المنصة، وأكد مضيه في تنظيم الاحتجاجات صباح اليوم الأربعاء.

ورغم الإجراءات الحكومية، نظم الانتقالي مظاهرته في شوارع المدينة، لكنَّ المشهد تعقَّد أكثر بعد اندلاع مواجهات بين مسلحين وقوات الجيش والأمن.

ما تفاصيل المواجهات؟

أظهرت مقاطع مصورة متداولة مواجهات في محيط مقر السلطات المحلية في شبوة مع اقتراب المتظاهرين من المبنى الحكومي، في حين نقلت وكالة الأنباء الألمانية عن مصدر محلي قوله إن المواجهات اندلعت إثر اقتراب متظاهرين موالين للمجلس الانتقالي من محيط مبنى المحافظة، ومحاولتهم إنزال علم الجمهورية اليمنية من فوق المبنى، مما أدى إلى احتكاك مباشر مع القوات الأمنية المكلفة بحمايته.

وتبادل الطرفان الاتهامات بشأن ما حدث، إذ اتهمت اللجنة الأمنية بشبوة "عناصر مندسة مدججة بمختلف أنواع الأسلحة بالاعتداء على رجال الوحدات الأمنية والعسكرية والآليات التابعة لهم، واستهدافهم بالذخيرة الحية أثناء محاولتها اقتحام ديوان محافظة شبوة".

في المقابل، اتهم الانتقالي الأجهزة الأمنية والعسكرية باستخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين، وأشار إلى أنه نقل موقع الفعالية "حرصا منه على تجنب أي احتكاك".

هذا وأصدر محافظ شبوة عوض بن الوزير قرارا بتشكيل لجنة تحقيق لمعرفة ملابسات الأحداث التي شهدها ديوان المحافظة بمدينة عتق.

وبحسب مكتب الإعلام بالمحافظة، تضم اللجنة مسؤولين محليين وقيادات عسكرية وأمنية إضافة إلى اختيار ثلاثة ممثلين عن ذوي الضحايا والمصابين "تعزيزا لمبدأ الشفافية وترسيخا للعدالة".

ما نتيجة المواجهات؟

أعلنت اللجنة الأمنية في شبوة سقوط عدد من الضحايا والمصابين لم تحدد عددهم، وحمَّلت المسؤولية الكاملة من قالت إنهم أصروا على مخالفة النظام والقانون واللجوء إلى العنف المسلح. وأكدت مباشرتها إجراءات التحقيق بحق كل من يثبت تورطه في التحريض أو التخطيط أو التنفيذ لاستخدام السلاح في مواجهة الأجهزة الأمنية.

في الضفة المقابلة، أعلن الانتقالي مقتل 6 متظاهرين وإصابة أكثر من 30 آخرين، محمّلا اللجنة وكل أجهزتها الأمنية والعسكرية المسؤولية الكاملة عمّا جرى وما يترتب عليه من تداعيات.

وشدد على سرعة ضبط الجناة والمتورطين في إصدار الأوامر وإطلاق النار، مؤكدا أن عدم اتخاذ إجراءات عاجلة سيضطره إلى اتخاذ ما يلزم من خطوات وصفها بأنها مشروعة.

ما توقيت هذه التطورات؟

جاءت هذه المستجدات بعد ساعات من تغريدة لرئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي المختفي منذ أكثر من شهر، على حسابه بمنصة إكس، دعا فيها أنصار المجلس إلى مواصلة الاحتجاجات في مختلف الساحات والميادين و"التمسك بخيار استعادة دولة الجنوب العربي".

وتزامنا مع حديث الزبيدي، خرج القيادي في الانتقالي عمرو البيض بتصريحات على حسابه بمنصة إكس، قال فيها إن المجلس يعتبر أن "الحكومة اليمنية الجديدة تفتقر إلى أية شرعية جنوبية، ولا تعبّر عن أي إطار توافقي وإن مارست سلطة الأمر الواقع في بعض المناطق".

كما تأتي هذه التطورات بعد يومين من أداء الحكومة اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في السعودية، وحديث مسؤولين في الحكومة عن قرب عودة مجلس الوزراء إلى العاصمة المؤقتة لممارسة مهامها.

ماذا جرى في حضرموت قبل شبوة؟

قبل أيام، شهدت محافظة حضرموت احتجاجات للمجلس الانتقالي في مدينة المكلا الثلاثاء الماضي، سبقتها مظاهرة أخرى في مدينة سيئون رافقها أعمال شغب، حيث قالت السلطات "إن المسيرة التي دعا إليها الانتقالي المنحل رافقتها تصرفات غير مسؤولة"، مؤكدة أن الدعوة التي لم تلتزم بالضوابط التي تنظم الإذن وطلب الترخيص تتحمل الجهة الداعية المسؤولية الكاملة عن نتائجها.

وأعقبت المسيرة حملة اعتقالات شنتها السلطات طالت عددا من المشاركين، وسط تنديد المجلس الانتقالي. في حين استنكرت مكونات محلية، من بينها مجلس حضرموت الوطني ومرجعية قبائل حضرموت، ما وصفتها بالأعمال التخريبية للمجلس الانتقالي الذي اتهمته بالسعي إلى تفجير الأوضاع بالمحافظة بدعم إقليمي.

ما أهمية شبوة؟

تُعَد ثالث أكبر محافظة يمنية بمساحة تبلغ نحو 42584 كيلومترا مربعا، وتتكون من 17 مديرية أبرزها مدينة عتق عاصمة المحافظة، وتمتلك شريطا ساحليا على بحر العرب.

وتتمتع بوجود حقول نفطية وميناء النشمية النفطي، إضافة إلى منشأة ميناء بلحاف لتصدير الغاز المسال التي تُعَد أكبر المنشآت الاقتصادية في اليمن، وتُقدَّر تكلفة إنشائها بأكثر من 5 مليارات دولار، لكنَّ عمليات التصدير متوقفة منذ سنوات الصراع في البلاد.

ماذا كشفت هذه التطورات؟

أظهرت الأحداث حجم الانقسام في داخل الانتقالي، ففي الوقت الذي أعلنت قيادات فيه حلَّه، تصر أخرى ومعها رئيسه الزبيدي على تحريك ورقة الشارع لإثبات مدى شعبيتها وقبول المشروع الذي تتبناه.

وتعوّل قياداته التي حلَّت المجلس على المؤتمر الذي دعت إليه السعودية، يوم 3 يناير/كانون الثاني الماضي، جميع المكونات الجنوبية باليمن للمشاركة فيه لوضع تصور شامل للحلول العادلة للقضية الجنوبية.

وتبيّن التطورات الأخيرة في شبوة حجم التحديات التي تواجه الحكومة في قدرتها على ضبط الأوضاع الأمنية، ومضيها في تحقيق ما تسعى إليه من توحيد التشكيلات المختلفة بما فيها التي تتبع المجلس الانتقالي.

ما تداعيات أحداث شبوة؟

لا شك أن ما حدث في شبوة وسقوط ضحايا يُعَد تطورا لافتا في مسار المظاهرات التي نظمها الانتقالي بعد انحسار نفوذه وسيطرته العسكرية على المحافظات الجنوبية والشرقية مطلع يناير/كانون الثاني الماضي.

ويرى كثيرون أن جناح الانتقالي الرافض لحل المجلس والذي يتبنى خيار التصعيد الشعبي سيدخل مرحلة من التوتر المزمن والاحتقان مع الحكومة إذا لم يُحتوَ الموقف سياسيا وأمنيا بسرعة لمنع اتساع رقعة الاضطرابات والاحتكاكات في المحافظات الأخرى، وتهيئة الظروف لعودة الحكومة إلى الداخل ونجاحها في توحيد المشهد الأمني والعسكري.

كما أن استمرار التوتر في شبوة يشكل تحديا وإرباكا للسلطات خصوصا أن المحافظة تُعَد من مناطق الإنتاج النفطي، في وقت تسعى الحكومة لضبط واستثمار الإيرادات لمواجهة الأزمة الاقتصادية الصعبة.

ومطلع ديسمبر/كانون الأول الماضي، سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي المنادي بانفصال جنوب البلاد عن شمالها على محافظتي حضرموت والمهرة المحاذيتين للسعودية وسلطنة عمان، مستكملا بذلك بسط نفوذه العسكري على كل المحافظات الجنوبية والشرقية التي تمثل ما كانت تُعرف سابقا بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية قبل عام 1990.

لكنَّ تلك السيطرة لم تدم طويلا، إذ تمكنت القوات الحكومية مطلع يناير/كانون الثاني الماضي، بدعم من التحالف بقيادة السعودية، من استعادة السيطرة على حضرموت والمهرة وتمديد قواتها إلى العاصمة المؤقتة عدن، في تطورات أتت مع إعلان الإمارات خروج قواتها من اليمن بعد طلب بذلك من العليمي، وهو أمر لقي تأييدا سعوديا.