"إلى سعد العمري: لقد أصبت في نقدك للشرعية، لكنك وضعت يدك على نصف الجرح وتركت نصفه الآخر
حين تقول إن من يرفع راية الشرعية عليه أن يعود إلى بلده ويدافع عن قضيته، فنحن نتفق معك. وحين تنتقد نخبة سياسية تتقاذف تهم التفريط والفساد والعجز، وتقول إن السعودية ليست جمعية خيرية لتدفع ثمن فشل الآخرين، فهذه ملاحظة لا يمكن لليمني المنصف أن يتجاهلها..
لكن ثمة سؤالا آخر، وربما هو السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل الأسئلة: من اختار هذه الشرعية أصلا؟.
هنا يبدأ الخلاف
فاليمنيون لم يجلسوا في صناديق الاقتراع ليختاروا منظومة سياسية تقيم في الرياض، ولم يمنحوا تفويضا مفتوحا لأشخاص يتحدثون باسمهم من خارج البلاد. وما جرى خلال سنوات الحرب أنتج واقعا سياسيا شديد التعقيد، تداخلت فيه إرادة قوى يمنية مع رعاية وضغوط وتدخلات إقليمية..
لقد دفعت اليمن ثمنا باهظا لنخب سياسية لم تستطع أن تضع اليمن فوق الحسابات الحزبية والمناطقية والمذهبية ومصالح الخارج. قسم من هذه النخب ارتهن لإيران، وقسم آخر ارتهن للسعودية أو الإمارات، وتحولت القضية الوطنية عند بعضهم إلى سلعة في سوق النفوذ الإقليمي..
اليمنيون شعب له ذاكرة سياسية طويلة، وله أنفة وكبرياء، وله حساسية عميقة تجاه الوصاية الخارجية، سواء جاءت بعباءة دينية أو قومية أو أمنية أو سياسية..
ولهذا كان صوت اليمنيين الوطنيين واضحا منذ سنوات: أخرجوا القرار اليمني من الخارج، وأعيدوا السياسة إلى اليمن. لكن هذا الصوت لم يجد دائما آذانا صاغية..
بل إن كثيرا ممن حاولوا أن ينصحوا الأشقاء، ويحذروا من نتائج إضعاف الدولة وتفكيك المعسكر المناهض للحوثيين وتغليب الولاءات المحلية على مؤسسات الجمهورية، وجدوا أنفسهم في مواجهة التخوين والاتهام والعداء والملاحقة..
كانت النصيحة تفسر أحيانا باعتبارها خصومة. والتحذير يقرأ باعتباره إساءة. والاعتراض على سياسة معينة يتحول إلى اتهام بالعمالة. ثم جاءت النتائج لتثبت أن تجاهل أصوات النقد لم يكن طريقا آمنا..
ومن هنا، فإن انتقاد النخب السياسية لا ينبغي أن يتحول إلى إهانة اليمنيين. وإذا كانت شرعية الشعب هي المعيار، فلماذا فرضتم على الشعب اليمني ثمانية رؤساء، وحولتم الشعب إلى مجرد جمهور يطلب منه التصفيق لمن اختارته السعودية في لقاء شكلي أختارت جمهوره بعناية؟!
اليمن لا يحتاج إلى استبدال وصاية بوصاية. ولا يحتاج إلى أن ينتقل من ارتهان إلى ارتهان. اليمن يحتاج إلى دولة. وإلى مؤسسات. وإلى جيش وطني. وإلى سلطة تستمد مشروعيتها من اليمنيين. وإلى طبقة سياسية تدرك أن علاقتها بالدول الشقيقة ينبغي أن تقوم على الندية والمصلحة المشتركة، لا على التبعية..
لقد قلنا منذ سنوات إن إبقاء القرار اليمني خارج اليمن سيعمق الانقسام، وإن تحويل القيادات إلى أطراف تتصارع على الاعتراف والدعم الخارجي لن يصنع دولة..
وقلنا إن اليمن لا يمكن أن يحكم من غرف الفنادق، ولا أن تستعاد دولته بالبيانات. ولم تكن تلك النصائح عداء لأحد. كانت محاولة لإنقاذ علاقة الأخوة نفسها من نتائج سياسة خاطئة. لكن حين تتحول النصيحة إلى تهمة، والنقد إلى خيانة، يصبح من الطبيعي أن يتراكم الغضب..
اليوم، لا يطلب اليمنيون من الأشقاء أن يحملوا اليمن على أكتافهم. ولا يريدون جمعية خيرية، ولا يريدون مالا بلا نهاية. إنهم يريدون شيئا أبسط من ذلك:
أن يترك لهم حق امتلاك بلدهم. أن يكون اليمني هو من يختار قيادته. وأن يكون اليمني هو من يحاسبها. وأن تكون صنعاء وعدن وتعز ومأرب وحضرموت، لا الرياض وأبوظبي وطهران، هي المجال الطبيعي لصناعة القرار اليمني..
فاليمنيون لم يولدوا ليكونوا أتباعا لأحد. ولا ينبغي أن يطلب منهم أن يدفعوا ثمن أخطاء رجال لم يختاروهم. اليمن لليمنيين، وهذه ليست منة من أحد، بل أبسط حقوق شعب يريد أن يستعيد دولته وكرامته وقراره..