من التبعية إلى الهاوية
ليست كل الطرق المزدحمة آمنة ، ولا كل الأصوات العالية صادقة ! حين يتنازل الإنسان عن وعيه الفردي لصالح الجماعة ، يبدأ الخطر متخفياً في هيئة طمأنينة. من هنا تبدأ حكاية القطيع ، حيث يغيب السؤال ، ويُستبدل التفكير بالتبعية .
القطيع لا يرى المشهد كاملًا، يرى ظهر من يقف أمامه فقط .. يثق بأن الكثرة دليل ، وأن الصوت الأعلى حقيقة ، وأن الطريق المزدحم لا يمكن أن يكون خاطئاً ابداً. هكذا تُعطَّل البصيرة باسم الانتماء، ويُقايَض الوعي بالقبول الاعمى .. لا أحد يسأل: إلى أين نحن متجهون؟ المهم أننا معاً نمضي دون رجعة .
العقل الجمعي يصنع قرارات لا يتحمّل أحد مسؤوليتها . الجميع شركاء ، وحين تبدأ النتائج بالانكشاف ، يكون الوقت قد تأخر، لأن الرجوع وحده أصعب من السقوط مع الآخرين . فالخروج من الصف يحتاج شجاعة ، أما البقاء فيه فلا يتطلب سوى الخوف .
كم من فكرة قادت أمماً إلى الخراب لأنها لم تُفكر ؟ وكم من ظلم استمر لأنه كان رأياً عاماً للعقل الجمعي لا يقبل رأي مختلف ، ولأنه يذكّرهم بإمكانية الخطأ . لذلك تُسكت الأسئلة ، ويخوّن الشك ، وتزيّن الطاعة على أنها حكمة.
الهاوية لا تُعلن عن نفسها ، لا ترفع لافتة تحذير. تبدو في البداية طريقاً مألوفاً، منحدراً بسيطاً ، حتى يكتشف القطيع متأخراً أن الأرض قد اختفت من تحت أقدامه.. عندها لا ينفع الندم ، لأن السقوط جماعي .
الخلاص لا يكون بالانسحاب من المجتمع ، بل باليقظة داخله. بأن يمتلك الفرد شجاعة الرؤية والموقف ، وجرأة السؤال ، ومسؤولية الاختيار. فحين يستعيد الإنسان عقله، ينكسر سحر القطيع وطغيانه .. ويتحوّل السير من اندفاع أعمى إلى خطوة واعية .. العقل الحر قد يتعب ! لكنه لا يسقط في الهاوية دون أن يعرف لماذا سار، وإلى أين يريد أن يصل .