نعم، فبرغم مرارته يبقى الصبرُ عظيمًا، عظيمًا حدَّ الدهشة. وقد قال الأوّلون: الصبرُ دواءُ الدهر، فالصبر حكمة، وهو تلك الإجابة الهادئة التي تأتيك بعد طول لهفة، فتشرح لك ما غاب عنك، وتكشف ما حُجب عن قلبك، بعد انتظارٍ ثقيلٍ كنهرٍ لا يريد أن يصل إلى مصبّه. كُنّا نظن لقلّة خبرتنا وعجلتنا أن الانتظار سيقصم ظهورنا ويتركنا ندفن أحلامنا أحياءً، وما علمنا أنه يُنضج أرواحنا لا يقتلها.
الصبر مرآة صافية، تُريك جوهر الأشياء بلا عناء مطاردة التفاصيل. هو هدهد سليمان الذي يعود بعد سفرٍ بعيد بالنبأ اليقين، فيغنيك عن مشقة الرحلة إلى أرض بلقيس. وبرغم طعمه المرّ، يبقى الصبر أحبتي أحلى ما نذوقه حين يرسو بنا على شواطئ الأمان، فنبلغ به تلك الضفاف الساحرة التي ظللنا نُجاهد أمواج العمر لندركها.
الصبر خصلة تُهذّبنا وتعيد تشكيلنا ببطءٍ حكيم، فتمنحنا قوة مواجهة تقلّبات الأيام، وتمكننا من تجاوزها برفقٍ وسلاسة. وربما تترك فينا بعض الخدوش، لكنها سرعان ما تتلاشى حين يكتمل الدرس وتبدو الحكمة.
أحبّتي، الصبر جميل ولولا عظمتُه ما جعل اللهُ أجرَه عظيمًا.