كوميديا يمنية
في لحظةٍ مرتبكةٍ من التاريخ، لا أحد يعرف على وجه الدقة ماذا جرى، أو كيف انقلب المشهد بهذه السرعة.
علمٌ يُرفع، وآخر يُنكس. صورٌ تُرفع احتفالًا، وأخرى تُمزَّق غضبًا. فرقٌ عسكرية تُسلِّم، وأخرى تخرج، وثالثة تدخل، وكأن الأرض لا تعرف السكون.
كفيلٌ يطرد، وكفيلٌ آخر يستلم، ثم يجمع ما تفرّق… وهكذا دواليك.
اليوم فرحٌ عابر تُزيّنه الهتافات، وغدًا حزنٌ ثقيل يعود بملامحه القديمة، كأن الفرح لم يكن سوى استراحة قصيرة في طريقٍ طويل من الإنهاك.
المشهد كلّه يشبه حركة دوّامة لا تتوقف:
أعلامٌ ترتفع وأعلامٌ تُنكس،
عسكرٌ يدخلون وعسكرٌ يخرجون،
وجوهٌ تتبدّل، لكن اللعبة ذاتها لا تتغيّر.
وفي قلب هذا الدوران العبثي، يقف الشعب وحيدًا.
فقرٌ مدقع ينهش الحياة، وخلافات تتكاثر، ومعارك لا تعرف نهاية.
والناس منقسمون بين مؤيّدٍ ومعارض، يخوضون معاركهم على الصفحات الإلكترونية، مشدودين إلى الشاشات، يتلقّفون أخبارًا متضاربة. يرتفع الأدرينالين وينخفض، تحتدّ المنكفات وتشتدّ، وفي النهاية… الكلّ يخسر.
وفي قلب هذا التدوير القسري، تتجدّد النخب السياسية الفاشلة كظلٍّ طويل من المآسي المتكرّرة.
تتعاقب الوجوه نفسهاوتتبدّل الأسماء، لكن الأخطاء تبقى على حالها، وكأن التاريخ يُسجَّل على أسطوانةٍ مشروخة.
يأتون بخطاب التغيير وهم يعيدون إنتاج الانقسامات ذاتها، يرفعون راية الإنقاذ وهم يحفرون في الحفرة القديمة بمعاول جديدة.
كلّ جيلٍ منهم يبدأ وكأنه يكتشف الوطن للمرّة الأولى، ليعيد تدوير الأزمات نفسها بأساليب مختلفة، وتكون النتيجة واحدة:
وطنٌ يتآكل، وشعبٌ ينتظر، ومستقبلٌ يُسرق تحت أضواء الشعارات البرّاقة.
يتصارعون على مقاعد في مسرحٍ آيلٍ للسقوط، بينما السقف يتشقّق فوق رؤوس الجميع.
يحسبون أنهم يقودون السفينة، وهم في الحقيقة يخلعون ألواحها الخشبية وقودًا لموقدهم الضيّق، فيما المياه تتسرّب، والعاصفة تقترب.
ويبقى السؤال معلّقًا في الهواء، بلا جواب:
متى يحين لهذا الشعب أن يستريح؟
ومتى تتوقف هذه الدوّامة، ويصبح الوطن وطنًا، لا ساحةَ تبديلِ أعلامٍ وكفلاء؟